Al-Hadatha Journal: 33 years of communication - Welcome to the site (under construction). Here we publish Abstracts of research

بحث - Search

مجلة الحداثة: 33 عامًا من التواصل - أهلا بكم في الموقع الترويجي (قيد الانشاء) ننشر هنا ملخصات عن الأبحاث

المشاهدات

الافتتاحية: فرحان صالح الثوري العنيف بسلاح الفكر والثقافة والموقف

د. عبد الرؤوف سنّو - مجلة الحداثة

عبد الرؤوف سنّو *

Editorial: Farhan Saleh, the violent revolutionary, wielding the weapons of thought, culture, and stance

DR. Abd Al Raouf Sinu

فرحان صالح بريشة الفنان اللبناني محمد علي الخطيب  (2016)
فرحان صالح بريشة الفنان اللبناني محمد علي الخطيب (2016)

يلقي عليك التحية صباحًا من البرجين، ويمسيك في الغروب من القاهرة، ويهاتفك مبكرًا جدًا من الجزائر في اليوم التالي، عندما تخطر في رأسه ليلًا فكرة لا تنتظر الصباح. فكرة يريد أن يتقاسمها معك، لا بوصفها خبرًا، بل بوصفها سؤالًا أو قلقًا أو موقفًا. إنه فرحان صالح، "ابن بطوطة" لبنان والوطن العربي، الذي لم يعرف يومًا وطنًا محدودًا بخرائط؛ فلبنان، عنده، ليس تلك الرقعة الجميلة الصغيرة على ساحل المتوسط الشرقي التي أُغدقت عليها التسميات فحسب، بل نافذة على فضاء أوسع: الوطن العربي كلّه، بقضاياه، وجراحه، وتناقضاته، وأحلامه المؤجَّلة.
من يعرف فرحان صالح عن قرب، يعرف أنه يعيش قلقًا دائمًا، قلق الصديق كما قلق المفكر. قلق لا يهدأ ولا ينام. هواجسه كثيرة، ثقيلة، مؤلمة، تكاد تشكّل "مرضًا مزمنًا" إزاء ما آلت إليه الأمة العربية: أنظمة قاهرة، فساد مستشرٍ، تبعية خانقة، وشعوب أنهكها الجهل والفقر والمرض والأمية وضياع المستقبل. ومع ذلك، لم يكن قلقه يومًا استسلامًا أو انسحابًا، بل تحوّل إلى طاقة نقد، وإلى إصرار على الفهم، وإلى عناد فكري يرفض أن يطبع مع الهزيمة.
ومع كل هذا الثقل الفكري والنضالي، ففرحان صالح شعبيّ، متواضع في علاقاته مع الناس، بسيط في لباسه، قريب ومرح في مجلسه. وهو ليس كائنًا عبوسًا؛ صاحب نكتة سريع الدعابة، جميل العشرة. تعرفه في الجلسة كما تعرفه في المقال: حاضر، ذكي، يلتقط المفارقة، ويخفف عنك ثقل الكلام الثقيل بابتسامة أو تعليق ساخر في مكانه. مجلسه ليس منبرًا فحسب، بل مساحة دفء إنساني، وحوار، وضحك، واستعادة للحياة وسط كل هذا الخراب.
هو وفيّ لأصدقائه وأصحابه، لا يقطع شعرة معاوية مع أحد، حتى مع خصومه، لأن الخلاف عنده فكري ومبدئي، لا شخصي ولا كيدي. يفتح المجال أمام الآخرين للوصول إلى المواقع والمسؤوليات على قاعدة "الرجل المناسب في المكان المناسب"، لكنه يبقى قريبًا، من دون أن يفقد روحية المراقب والموجّه والمتدخّل حين يلزم الأمر.
وبالرغم من قصر قامته الجسدية، فهو شامخ في حضوره، عملاق في موقفه، ثابت في قناعاته، ملتصق بالحدث، لا يكتفي بمتابعته، بل يفتّش بين الحدث والحدث ليستنتج، ويربط، ويكشف. هو، في النقاش، كبير وهامة بين الكبار، فذّ في محاوراته، حاضر الذهن، سريع البديهة. ثوريّ في قراءته للتاريخ، لا يقدّسه ولا يلغيه، بل يفككه بعقل نقدي، وبمفاهيم قد تستلهم الماضي، وأحيانًا بسخرية لاذعة، لكنها سخرية ابن الحاضر، وهاجس المستقبل. وبالنسبة إليه، فالدين هو دين الحياة، دين الحلول للاجتماع البشري، لا دين التسلّط على العقول، وهو إطار أخلاقي وقيمي ينظّم العلاقات بين مكوّنات المجتمع، ويؤسّس لعلاقة عقلانية بين الدولة وشعبها على أسس مدنية علمانية، تحترم الإيمان ولا تصادر العقل.
ينتقد فرحان صالح بلا خجل، بلا مجاملة، وبلا محاباة. يرفع صوته أحيانًا، وقد يصرخ، لا لأنّه مولع بالصخب، بل لأنّ هناك من لا يسمع، أو من لا يريد أن يسمع. وقد يستخدم أحيانًا كلمات أو عبارات قاسية، ساخرة، أو جارحة، لكنه يقول كلمته ويبقى عندها… ولا "يمشي". فلا تسويات ولا مهادنات عندما يتعلّق الأمر بالخطوط الحمراء الوطنية والقومية، ولا تنازل حين تكون المسألة مسألة كرامة أو مصير. يعظ ويحلّل ليصحّح. ولا يخجل من "كشكوله" الصغير الذي يحمله تحت إبطه. ذاك الدفتر الذي يشبهه: بسيط الشكل، كثيف المعنى. فيه يومياته، أفكاره، غضبه، فرحه، وهواجسه. سجلّ حياة بحلوها ومرّها، وذاكرة متنقلة تختصر عمرًا ثقافيًّا وسياسيًّا طويلًا.
الناصرية والقضية الفلسطينية توأمان بالنسبة إليه، وهو من عمرهما. آمن بالناصرية كمشروع عروبي يؤدي إلى توحيد العرب. وشبّ على مأساة القضية الفلسطينية؛ فصارت جزءًا من تكوينه الوجداني والعقلي، وحوّلته إلى مناضل قومي عروبي. لكنه، بعكس كثيرين، لم يتعامل معها بوصفها شعارًا جاهزًا أو خطابًا تعبويًّا. تألّم عميقًا لمسار نضال الشعب الفلسطيني، وانتقد بمرارة الصديق لا ببرودة المراقب، كيف كان هذا النضال يصل مرارًا إلى طرق مسدودة، وكيف تُهدر التضحيات في حسابات خاطئة أو رهانات خاسرة. وكان شديد الألم إزاء ما أعقب "طوفان الأقصى"، لا لأنّه شكّك في عدالة القضية، بل لأنّه رأى ما آل إليه الحدث من نكسات إضافية، وفتح واسع لإجرام إسرائيلي غير مسبوق، دفع ثمنه الشعب الفلسطيني، مرة أخرى، من دمه وبيوته ومستقبله. كان نقده هنا صريحًا، موجعًا، لكنه صادر عن التزام عميق بالقضية، وعن خوف حقيقي من تكرار المآسي من دون أفق سياسي واضح.
هزّته حرب لبنان بتأثيراتها السلبية في الاجتماع اللبناني، فعمل بعد عودة السلام إلى البلاد باتفاق الطائف إلى عقد لقاءات مع شخصيات فكرية وثقافية وأكاديمية لتأسيس جمعية ثقافية تقوم على التلاقي والحوار، وتعمل على تجاوز ثقافة الحرب ونشر ثقافة السلام، وتأسيس لبنان الجديد وفق المعايير الوطنية والإنسانية. من هنا، ولدت "حلقة الحوار الثقافي" رسميًّا في العام 1993. وكان فرحان صالح أمينها العام وأول رئيس لها، وضمّت هيئتها التأسيسية عشرات الشخصيات المرموقة في مجال العلم والثقافة والتعليم، وأخصّ منهم: الأستاذ سليمان تقي الدين، والدكاترة خليل أحمد خليل، ومحمد شيا، وجورج سعادة، وزاهي ناضر، وإلهام كلاب البساط، ومطانيوس الحلبي... ومنذ أن انتسبت إلى الحلقة في التسعينيات من القرن الماضي، لا أنسى حضوره المميّز في اجتماعات الحلقة بوصفه أمينًا عامًا لها. يجلس صامتًا، مصغيًا بعناية لما يدور من نقاش؛ ثم، في اللحظة الأخيرة، يفتح "كشكوله" ويتدخّل، لا ليطيل الكلام، بل ليضع ملاحظته الدقيقة التي كانت كفيلة بتصويب الحوار وإعادته إلى مساره. وبهذا الأسلوب الهادئ، جعل من الحلقة الثقافية منبرًا حيًّا ومنفتحًا على الثقافة اللبنانية والمجتمع بهمومه وقضاياه، لا جمعية ولا إطارًا شكليًّا.
سعيه الدؤوب للوصل جعل الحلقة تهتم بتجذير المعرفة العلمية المعاصرة، والاهتمام باللغة العربية وتعزيزها، والقراءة النقدية للأحداث المتزاحمة في وطننا العربي، خصوصًا لتقويم المسار وتطوير مجتمعاته، عبر العلم والتعليم والثقافة. ومن مميزاته أنه لا ينسى، ويختزن في ذاكرته معلومات كثيرة، أهمها: رواد النهضة العربية وانجازاتهم الفكرية منذ أواخر القرن التاسع، والمعاصرون حتى اليوم، وهم كثر لا يمكن تعدادهم هنا.
بتواضعه كان يحتضن مجلس إدارة الحلقة، ومجلسها العمومي بمحبة وصداقة. يكرّم الأكاديميين والمثقفين والأدباء والفنانين بوسام الحلقة حينًا، ويقصد وزراء الثقافة حينًا آخر، أو ينسج علاقات تعاون مع الجامعات والمؤسسات الثقافية. ومن موقع الشهادة الشخصية، أذكر أنّنا كنّا نزور معًا، بصورة دورية، صديقنا المشترك المرحوم الدكتور مصطفى الزعتري، المدير العام لمؤسسة الحريري، في مكتبه أو في دارته في صيدا، ونتحادث طويلًا في شؤون الثقافة والوطن؛ كما كنّا نفعل الأمر نفسه مع الأستاذ صلاح سلام، رئيس تحرير جريدة اللواء، الذي يولي شؤون الثقافة والوطن اهتمامه، وجعل من صحيفته منبرًا ثقافيًّا ووطنيًّا.
في مسيرة نضاله الطويلة، ألّف فرحان العديد من الكتب والدراسات والمقالات في السياسة والاجتماع، والتراث، والتاريخ، والثقافة. وكان، ولا يزال، مقتنعًا بأن الثقافة هي المدماك الأساس الذي ترتقي به الشعوب، وأن أي تغيير من دون معرفة هو وهم. من هنا جاءت "الحداثة" دارًا للنشر، ومجلة فكرية وعلمية، لا بوصفها مشروعًا مهنيًّا فحسب، بل فعل التزام.
حين داهمه المرض، بدا فرحان صالح وكأن الجسد قرّر أن يختبر صلابة العقل، غير أنّه واجه المرض كما واجه محطات النضال القاسية: بهدوء عنيد، وبإرادة صلبة، قاومه بالجسد كما قاوم الاستبداد بالفكر والكلمة. ويتعافى بسرعة لافتة، من دون أن ينال المرض من صفاء ذهنه، أو من وهج نشاطه الفكري، مؤكّدًا أن ما ترسّخ في الوعي لا تهزّه عوارض الجسد، وأن الفكر الحيّ أقوى من الطارئ.
بعد كلّ هذه الشهادة، لا يبدو فرحان صالح رجل ختام، بل رجل استمرار، فالكلمة، عنده، ما دامت قادرة على الإزعاج، وعلى طرح الأسئلة، وعلى فضح الزيف، لا يحقّ لها أن تصمت. وبعد، ما الذي ينقص فرحان صالح ليدوّن سيرة حياته، أو يكتب مذكراته؟

***

* د. عبد الرؤوف سنّو: مؤرّخ وباحث لبناني. حصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة التاريخ من جامعة برلين الحرة (1982). شغل منصب عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية (2001 – 2004). فاز بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن كتابه "حرب لبنان 1975-1990، تفكك الدولة وتصدع المجتمع".


الحداثة (Al Hadatha)
ربيع 2026 Spring
العدد: 239 ISSUE
مجلد: 33 .Vol
ISSN: 2790-1785

ليست هناك تعليقات:

اقرأ أيضًا

تعليقات القرّاء

راسلنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

تصنيفات وأعداد

Al Hadatha (1169) أبحاث في الأدب واللغة (396) أبحاث في الثقافة الشعبية (249) أبحاث في العلوم الاجتماعية (209) أبحاث في الفنون (180) أبحاث في التاريخ (154) أبحاث في التربية والتعليم (144) أبحاث في العلوم السياسية والاقتصادية (97) أبحاث في علم النفس (81) أبحاث في الفلسفة (72) مراجعات (66) أبحاث في الإعلام (46) افتتاحية الأعداد (43) خريف 2025 (42) شتاء 2026 (42) صيف 2019 (42) محتويات الأعداد (42) شتاء 2020 (38) خريف 2020 (37) ربيع 2020 (37) أبحاث في الآثار (35) خريف 2019 (35) صيف 2020 (35) خريف 2023 (34) خريف 2024 (34) شتاء 2025 (34) ربيع 2024 (33) ربيع 2025 (33) شتاء 2024 (33) صيف 2024 (33) الحداثة : أعلام (32) ربيع 2026 (31) شتاء 2021 (31) الحداثة في الإعلام (28) أبحاث في القانون (27) خريف 2016 (26) شتاء 2017 (25) نوافذ (24) ربيع 2021 (23) صيف 2018 (23) صيف 2023 (23) خريف 2018 (22) ربيع 2022 (22) صيف 2017 (22) صيف 2025 (22) أبحاث في الجغرافيا (21) أبحاث في العلوم والصحة (21) شتاء 2022 (21) خريف 2021 (20) ربيع 2017 (20) ربيع 2023 (20) صيف 2021 (20) شتاء 2019 (19) أبحاث في كورونا (covid-19) (18) خريف 1994 (18) صيف 2022 (17) خريف 2001 (16) خريف 2022 (16) شتاء 2023 (16) أبحاث في الإدارة (15) ملف الحداثة (15) ربيع 2019 (12) شتاء 2000 (12) أبحاث في الحقوق (11) أبحاث في السياحة (11) شتاء 1996 (11) شتاء 2018 (11) خريف 1995 (10) ربيع 2015 (10) خريف 2004 (9) صيف 1997 (9) خريف 2017 (8) ربيع 1999 (8) ربيع 2016 (8) ربيع وصيف 2007 (8) شتاء 1998 (8) شتاء 2004 (8) صيف 1994 (8) صيف 1995 (8) صيف 1999 (8) شتاء 1999 (7) شتاء 2016 (7) خريف 1996 (6) خريف 1997 (6) خريف 2013 (6) ربيع 2001 (6) شتاء 1995 (6) شتاء 2013 (6) صيف 2000 (6) صيف 2001 (6) صيف 2002 (6) خريف 1998 (5) خريف 2000 (5) خريف وشتاء 2003 (5) ربيع 1996 (5) شتاء 1997 (5) صيف 2003 (5) صيف 2009 (5) ربيع 2002 (4) شتاء 2011 (4) صيف 1996 (4) صيف 2008 (4) خريف 2003 (3) خريف 2009 (3) خريف 2010 (3) خريف 2015 (3) خريف شتاء 2008 (3) ربيع 1995 (3) ربيع 1998 (3) ربيع 2000 (3) ربيع 2003 (3) ربيع 2012 (3) ربيع 2018 (3) شتاء 2001 (3) شتاء 2010 (3) صيف 1998 (3) صيف 2005 (3) صيف 2010 (3) صيف 2014 (3) صيف خريف 2012 (3) العدد الأول 1994 (2) خريف 1999 (2) خريف 2005 (2) خريف 2014 (2) ربيع 2006 (2) ربيع 2011 (2) ربيع 2013 (2) ربيع 2014، (2) شتاء 2005 (2) شتاء 2012 (2) شتاء 2014 (2) شتاء 2015 (2) صيف 2006 (2) صيف 2011 (2) صيف 2013 (2) صيف 2015 (2) الهيئة الاستشارية وقواعد النشر (1) خريف 2011 (1) ربيع 2004 (1) ربيع 2005 (1) ربيع 2009 (1) ربيع 2010 (1) ربيع 2014 (1) شتاء 2007 (1) صيف 2004 (1) صيف 2016 (1) فهرس (1994 - 2014) (1) مجلدات الحداثة (1)

الأكثر مشاهدة