Farhan Saleh, a lifelong journey in service of the word
Dr. Mtanios Halabi
هو الحارس الأمين على بوابة الثقافة الوطنية، هو الراهب في محراب المعرفة. هو الشامخ كزيتون الجنوب، أما شعره الأبيض فليس مجرد علامة على مرور السنين، بل هو تاج من نور يكلل رأس من يفني العمر في خدمة الكلمة.
لم أقرأ فرحان صالح من مسافة بعيدة، فقد واكبت حركته الثقافية عن قرب خلال مسؤوليتي مديرًا عامًا لوزارة الثقافة والتعليم العالي. من لقاءاتي الأولى معه أدركت أنه إنسان مؤمن بأن الثقافة ليست نشاطًا عابرًا، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الزمن. كنت أراه يتحرك داخل المشهد الثقافي دون أن يكون مأخوذًا بضجيج اللحظة. يحمل أفكاره بهدوء، لا يخلو من العناد النبيل، لا يرفع صوته لكنه لا يتراجع. وإذا بدأ يناديك "يا رجل" أثناء النقاش معه بمسألة ثقافية، فاعرف أنه في قمة انفعالاته وسقفها الأِعلى.
فرحان صالح، ومنذ أن كان شابًا، حمل في قلبه حلمًا كبيرًا، وفي يده قلمًا لا يكلّ. نظر إلى واقع أمته فرأى فيها ما هو أعمق من المشهديات المتكررة، وأبعد من اللحظة الراهنة، فانكب بقلمه على الاهتمام بالشأن العام من خلال معاينته الدقيقة للواقع، لكن لا ليصبح سياسيًّا يتقلّب بين المناصب، بل ليكون مفكرًا يضيء الطريق أمام الحائرين، ومحللًا يكشف المستور من تعقيدات هذا الواقع. يحمل ذاكرةً أثقلها الزمن، لكنها لم ترهقها الهزائم. هذا الرجل الذي يفني حياته في بناء الحوار بين الفكر والناس، صار هو نفسه جسرًا بين أجيال مختلفة. كتاباته نوافذ على الشكل الخلّاق. يدرك أن الأفكار الكبرى لا تولد من اليقين، بل من القلق، وأن الكاتب الحقيقي هو من يظل واقفًا بين الشك والإيمان دون أن يستسلم لأي منهما.
الزمن عند فرحان صالح ليس خطًا مستقيمًا، بل طبقات من الأسئلة التي تتراكم فوق بعضها حتى يصبح العمر نفسه نصًّا يقرأ لا مجرد سنوات تحصى. كتاباته سؤال مفتوح عن كيفية أن نبقى بشرًا في عالم يميل إلى تحويلنا إلى أدوار وأرقام وملل متنازعة.
أما الثقافة عند فرحان صالح ففعل مقاومة ضد الابتذال، وتبطئ الزمن قليلًا لتمنح الإنسان فرصة أن يفهم نفسه. كل كتاب عنده هو من زمن يولد في لحظة، لكنه يعيش خارجها.
لا ينظر فرحان صالح إلى حياته كمسار مهني، أو كسلسلة إنجازات، بل كتجربة وجودية طويلة يسكنها السؤال أكثر ما يسكنها الجواب، لذلك فإنتاجه الفكري أقرب إلى تأملات فلسفية في مصير الإنسان، والأهم منها إلى تحليلات جامدة. لذلك تتحوّل أسئلته الى مواجهة داخلية مع الذات. لا يثق كثيرًا باليقين، لأن اليقين عنده بداية الجمود. ففضّل العيش في منطقة التوتر الفكري ساعيًا الى صناعة ذاكرة مشتركة تنتهي فيها كل الاختلافات.
لم يكتف فرحان صالح بالكتابة فأسس مجلته الثقافية والفكرية "الحداثة" ذلك الفضاء الذي أصبح ملاذًا للمبدعين وملتقى للعقول النيّرة. فكم من كاتب نشر نصّه الأول في صفحاتها، وآخر وجد فيها متنفسًا له. وكم من قضية وطنية وقومية حجزت لها المواقع في أعمدتها. حقيقة، لم تكن مجلة "الحداثة" مجرد أوراق تطبع وتوزع، بل كانت نبضًا ثقافيًّا حيًّا تتنفس بإيقاع المجتمع وتحلم بغد أفضل. وفي كل عدد كانت بصمته واضحة: الرصانة في الأسلوب، والعمق في التحليل، والحرص على الموضوعية، وعلامة فارقة في التنظيم.
لم يتوقف فرحان صالح عند هذا الحدّ، أدرك أن الأخبار تحتاج إلى جسور تعبر بها من عقل المفكر إلى قلب القارئ، فأنشأ دار الحداثة للطباعة والنشر، تلك القلعة التي حمت الكلمة الحرة من الضياع والنسيان. ولم تكن يومًا مشروعًا تجاريًّا، بل بالدرجة الأولى مشروعًا حضاريًّا. ولأن الأحلام الكبيرة لا يمكن أن تتحقق بجهد فردي، أسس مع أصدقاء وصديقات له من المبدعين جمعية ثقافية باسم "حلقة الحوار الثقافي" التي وصل بريقها إلى العالم العربي، فتلاقت الجهود وتوحّدت الرؤى، وأصبحت "الحلقة" بيتًا كبيرًا يجمع المثقفين والأدباء والمفكرين، ومنصّة تنطلق منها المبادرات الثقافية، ومن ردهاتها تخرج الندوات والمؤتمرات التي تناقش قضايا الوطن والأمة بعمق ومسؤولية. أسس مع صحبه هذه الجمعية، لأنه يدرك أن الوطن ليس ما نرثه فحسب، بل ما نصنعه عبر الحوار والمسؤولية المشتركة.
اليوم، وقد تقدم به العمر، وقد تكون خطواته أبطأ، وصوته أخفت، لكن فكره ما زال حادًا كنصل السيف، وقلبه ينبض بحبّ الوطن والثقافة.
ما سيتركه فرحان صالح بعد عمر نتمنى أن يكون طويلًا، ليس مكتبة من المؤلفات، أو أرشيفًا من الأعداد، أو قائمة بالكتب المنشورة فحسب، إنما إرثه الحقيقي هو أجيال من المثقفين الذين ربّاهم على حبّ الكلمة الصادقة، وعشرات الكتّاب الذين فتح لهم الباب، وآلاف القرّاء الذين غيّرت كتاباته طريقة تفكيرهم. إرثه هو تلك الشعلة التي أوقدها في ليل الجهل. هو الصوت الذي لن يساوم على المبادئ ولن يتاجر بالقلم، ولن ينحني أمام العواصف.
صديقي فرحان، أنت القامة العملاقة التي تقف شاهدة على أن العطاء الحقيقي يحتاج إلى عمر من الصبر والإخلاص. بفضلك آمن الكثيرون بما أنت آمنت به، وعملت لأجله بأن الكلمة أقوى من السيف، وأن الثقافة هي الحضن الحقيقي للأمة، وأن من يزرع المعرفة إنما يزرع مستقبلًا أفضل لوطنه وأمته. بارك الله في عمرك أيها الصديق العزيز.
***
* د. مطانيوس خليل الحلبي: باحث لبناني. أستاذ محاضر في القانون والعلوم الإدارية في جامعات محليّة ودوليّة. مدير عام متقاعد في وزارات الثقافة والتربية والتعليم العالي. حائز على عدة أوسمة لبنانية ودولية. ترأس عدة جامعات في لبنان والخارج.
الحداثة (Al Hadatha)
ربيع 2026 Spring
العدد: 239 ISSUE
مجلد: 33 .Vol
ISSN: 2790-1785


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق