لا أذكر شخصية ثقافية لبنانية معاصرة كان لها هذا الحضور الوطني الواسع، أو ذاك التأثير الثقافي العميق، من مثل ما كان عليه فرحان صالح. لم يترك العزيز فرحان قضية عربية إلا وكان جنديًّا متطوعًا فيها. ولم يترك قضية لبنانية وطنية جامعة إلا وكان عنوانًا ثقافيًّا لها. ولم يترك جسر صداقة وتعاون ممكنين بين المثقفين اللبنانيين، والمثقفين والهيئات الثقافية اللبنانية، إلا كان من الروّاد، وبخاصة: اتحاد الكتّاب اللبنانيين، والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، والحركة الثقافية- انطلياس، والمكتبة الوطنية في بعقلين، وحركة الريف الثقافية، وغيرها.
كذلك شأنه مع المثقفين والجامعيين والهيئات الثقافية العربية، وبخاصة في مصر والجزائر والمغرب وتونس وسوريا، إذ رسّخ الصلات الوثيقة معها بأنشطة ثقافية متبادلة، كان هو شخصيًّا همزة الوصل فيها.
ولا ننسى تأثيره الشخصي في عقد مؤتمرات خصصت للثقافة الشعبية في غير جامعة عربية، وفي طليعتها جامعة المنصورة في مصر، حيث دخلت الثقافة الشعبية في صلب المناهج الجامعية.
ولم يترك زاوية مقصيّة في لبنان إلا ونقل الثقافة إليها، وأشرك المرأة على وجه الخصوص، في أنشطة الأطراف، بل كان يصرّ على تسلم المرأة رئاسة الحركة غير مرة.
وفي إنجازات العزيز فرحان الكبرى تأسيسه، وكوكبة من كبار المثقفين اللبنانيين، "حلقة الحوار الثقافي في لبنان" سنة 1990، وقد تجاوز عدد منتسبيها المئات، ثم مشروع حلقة حوار ثقافي عربية.
فكان منزله، ومكتبه، ودار نشر ومجلة "الحداثة" المحترمتين، مقر لقاءات واجتماعات طويلة متعددة ولا تنتهي.
ولطالما حمّل أسرته، وبخاصة عقيلته السيدة أم كامل، ما لا قبل بأسرة سواها أن تحتمله.
أما ذروة سعيه فكان تأمينه ملكية مقر دائم للحلقة كي يأمن ديمومة المشروع الثقافي الواسع ذاك.
أما ما لا ينسى فهو إخلاص فرحان للأصدقاء، والزملاء، فكان بحقّ واسطة العقد الشخصية والثقافية بين الزميلات والزملاء جميعًا.
الأستاذ فرحان صالح شخصية ثقافية لبنانية عربية بامتياز، ما من باب ثقافي لبناني وعربي إلا وكان مفتوحًا له، بل مرحبًا به، بشدة!
ووفق ما رأيت في غير زيارة عربية كنا فيها معًا، في وسعي التأكيد أن ما من شخصية لبنانيّة، وربما عربيّة، ارتبطت بهذا الطيف الواسع جدًا من الصداقات والروابط الثقافية، مع المنتجين الثقافيين العرب، والمؤسسات الثقافية العربية.
فرحان صالح، أبو كامل، الأخ العزيز والصديق المحترم، عمرًا طويلًا مكللًا بالصحة التامة بإذن الله.
أخوكم
***
* باحث وأكاديمي لبناني. أستاذ متقاعد، وعميد سابق لمعهد العلوم الاجتماعية وكلية السياحة وإدارة الفنادق – الجامعة اللبنانية. أستاذ زائر في عدد من الجامعات العربية والأوروبية والآسيوية. له مساهمات واسعة في التأليف والكتابة والترجمة. حائز شهادة دكتوراه في الفلسفة (1977م).
* Dr. Mohamad Shayya: A Lebanese researcher and academic. He is a retired professor and former Dean of the Institute of Social Sciences and the Faculty of Tourism and Hotel Management at the Lebanese University. He has served as a visiting professor at various universities across the Arab world, Europe, and Asia, and has made extensive contributions to authorship, writing, and translation. He holds a PhD in Philosophy (1977).
الحداثة (Al Hadatha)
صيف 2026 SUMMER
العدد: 240 ISSUE
مجلد: 33 .Vol
ISSN: 2790-1785

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق