مصطفى عبد الله جرادي *
مدخل: المثقف كضرورة لا كترف
في الأزمنة العادية، يمكن للمجتمعات أن تؤجّل أسئلتها الكبرى، وأن تكتفي بإدارة يومياتها، ولو على حساب المعنى. أما في الأزمنة الصعبة - وتلك التي يعيشها لبنان والعالم العربي اليوم - فلا يعود الفكر ترفًا، ولا يصبح المثقف مجرد شاهدٍ محايد، بل يتحوّل إلى ضرورة وجودية، وإلى أحد الشروط الأساسية لصون الهوية، وحماية الوعي من التآكل.
ضمن هذا السياق، يبرز ا
سم الدكتور فرحان صالح، لا بوصفه مفكرًا عابرًا في سجلّ الثقافة العربية، بل كأحد أولئك الذين عاشوا الفكر كالتزام، ومارسوه كفعل مقاومة، وكرّسوا له حياةً كاملة، امتدت من أقصى الجنوب اللبناني إلى فضاءات الثقافة العربية الواسعة.
سم الدكتور فرحان صالح، لا بوصفه مفكرًا عابرًا في سجلّ الثقافة العربية، بل كأحد أولئك الذين عاشوا الفكر كالتزام، ومارسوه كفعل مقاومة، وكرّسوا له حياةً كاملة، امتدت من أقصى الجنوب اللبناني إلى فضاءات الثقافة العربية الواسعة.
إن الكتابة عن فرحان صالح ليست مجرد استعادة لسيرة شخصية، بل هي في جوهرها قراءة لمسار جيلٍ كامل من المثقفين العرب، الذين تشكّلت وعيهم في قلب التحولات الكبرى: من المدّ القومي العربي، إلى نكسة 1967، إلى صعود الحركات الوطنية، وصولًا إلى أسئلة الحداثة، والتفكك، وإعادة تركيب الهوية.
- من كفرشوبا … البدايات التي تصنع المصير
في بلدة كفرشوبا، الواقعة على تخوم الجغرافيا القلقة، حيث تتداخل الأرض بالسياسة، والهوية بالتاريخ، بدأت الحكاية.
لم تكن كفرشوبا مجرد مكانٍ للولادة، بل كانت بيئةً أولى لتشكّل الحسّ الوطني والقومي، حيث الاحتلال ليس فكرة نظرية، بل تجربة معاشة، وحيث الانتماء ليس شعارًا، بل شرط بقاء.
في تلك البيئة، نما فرحان صالح، وتكوّن وعيه المبكر على معنى الالتزام، وعلى فكرة أن المثقف لا يمكن أن يكون محايدًا في مواجهة قضايا شعبه وأمته. ومنذ نعومة أظافره، انخرط في العمل النضالي، مشاركًا في معارك الثورة الفلسطينية في ستينيات القرن العشرين، ضمن ما كان يُعرف آنذاك بـ"الأخضر العربي"، في لحظةٍ تاريخية كانت تختصر حلم جيلٍ كامل بالتحرر والوحدة والعدالة.
- بيروت: الولادة الثانية للمثقف
إذا كانت كفرشوبا قد شكّلت الجذر، فإن بيروت كانت الفضاء الذي اتّسعت فيه التجربة، وتحوّلت إلى مشروع.
في بيروت، المدينة التي كانت آنذاك مختبرًا مفتوحًا للأفكار والتيارات، دخل فرحان صالح قلب المشهد الثقافي العربي، لا كمتلقٍ، بل كفاعلٍ ومؤثر. هناك، انفتح على نخبة من المفكرين والكتّاب والشعراء، وأسهم في صياغة خطاب ثقافي حديث، يشتبك مع أسئلة التراث، ويواجه تحديات الحداثة، ويبحث عن موقع للعرب في عالمٍ يتغيّر بسرعة.
لم تكن بيروت بالنسبة إليه مجرد مكان للإقامة، بل كانت ورشة عمل فكرية دائمة، ومنبرًا للحوار، ومساحة لإنتاج المعرفة.
- "الحداثة": منبر للفكرة المقاومة
من أبرز إنجازات فرحان صالح، تأسيس مجلة "الحداثة" التي لم تكن مجرد إصدار ثقافي، بل مشروعًا فكريًّا متكاملًا. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، شكّلت المجلة مساحة حرّة للفكر النقدي، ومنصّة للحوار بين مختلف التيارات، وجسرًا بين مثقفي المشرق والمغرب.
لم تكن "الحداثة" تكرارًا لما هو سائد، بل محاولة لكسر القوالب، وطرح الأسئلة الصعبة، وإعادة التفكير في المسلّمات. وإلى جانب المجلة، أسّس قبل ذلك، دار الحداثة للنشر والتوزيع، ليمنح الكلمة فضاءً ماديًّا، يحفظها من التشتت، ويمنحها القدرة على الوصول والاستمرار.
- شبكة عربية… ومشروع حوار مفتوح
لم يكتفِ فرحان صالح بالعمل المحلي، بل وسّع نشاطه ليشمل فضاءات عربية متعددة، من مصر إلى تونس والجزائر والمغرب والعراق والكويت واليمن... في هذه البلدان، لم يكن زائرًا عابرًا، بل شريكًا في بناء فضاء ثقافي عربي مشترك، قائم على الحوار، والتفاعل، وتبادل الخبرات. أسّس "حلقة الحوار الثقافي" التي امتدت لتشمل أيضًا فضاءات خارج العالم العربي، وصولًا إلى روسيا، في محاولة لتوسيع أفق النقاش، وربط الثقافة العربية بسياقات عالمية أوسع.
- المثقف المشتبك: بين الفكر والممارسة
ما يميّز تجربة فرحان صالح، أنه لم يكن مثقفًا نظريًّا منعزلًا، بل مثقفًا مشتَبِكًا، حاضرًا في المؤتمرات، والندوات، واللقاءات، ومواكبًا للتحولات السياسية والاجتماعية.
نظّم العديد من المؤتمرات الثقافية العربية في لبنان وخارجه، وساهم في خلق مساحات حواريّة بين التيارات المختلفة، في زمنٍ كانت فيه الانقسامات تتعمّق. كان يؤمن أن الحوار ليس ترفًا، بل ضرورة، وأن الاختلاف لا يلغي إمكان التلاقي، بل يعمّقه.
- شهادة شخصية: حين يلتقي الفكر بالفن
تعرّفتُ إلى فرحان صالح في العام 1973، في معرض فني في بيروت، في لحظةٍ كانت بالنسبة إليّ بداية المسار الفني. لم يكن لقاؤنا عابرًا، كان داعمًا، مشجعًا، وسندًا حقيقيًّا. ومنذ ذلك الحين، لم يتأخر يومًا عن متابعة أعمالي، والتعليق على لوحاتي- التي تجاوزت الألف- باهتمامٍ وصدق، وكأن كل لوحة هي مشروع حوار جديد.
في علاقته بالفن، كان يرى فيه امتدادًا للفكر، ولغة أخرى للتعبير عن الأسئلة ذاتها.
- إنسان العلاقات: الثقافة كشبكة حياة
لم يكن فرحان صالح مفكرًا فحسب، بل كان إنسان علاقات بامتياز أيضًا؛ كان حاضرًا في حياة أصدقائه ورفاقه، لا في المناسبات العامة فحسب، بل في التفاصيل اليومية: زيارة، اتصال، مشاركة في ندوة، أو حتى حوار عابر.
ارتبط بعلاقات وثيقة مع عدد كبير من رموز الفكر والثقافة، من بينهم عبد الله العلايلي وسعيد عقل وسلام الراسي وخليل أحمد خليل وإلهام كلاب وزاهي ناصر وجورج سعادة وأنطوان غندور ومحمد غنيم وغيرهم من مئات المثقفين العرب.
- الوعكة… والانتصار على الهشاشة
في محطته الأخيرة، واجه فرحان صالح وعكة صحية قاسية، اختبرت الجسد، لكنها لم تُخضع الروح. فبمثابرة لافتة، وبصلابةٍ تُشبه مسيرته، وبمساندة زوجته السيدة أم كامل، وعائلته المثقفة - كامل، وهيثم، وريما، ورولا، وباسل - وحلقة واسعة من الأصدقاء والمحبين، استطاع أن ينهض من جديد.
لم يكن انتصاره على المرض مجرد تعافٍ جسدي، بل كان عودةً للفكر، واستئنافًا لمشروع لم يعرف التوقف.
- فرحان صالح: سنديانة الفكر
يمكن القول إن فرحان صالح هو سنديانة من سنديانات الفكر العربي: راسخة الجذور، ممتدة الفروع، قادرة على الصمود في وجه العواصف.
في زمن التبسيط، حافظ على العمق.
في زمن الضجيج، اختار الهدوء.
في زمن الاستقطاب، آمن بالحوار.
- خاتمة: ما الذي يبقى؟
في نهاية المطاف، لا يُقاس الإنسان بما قاله فحسب، بل بما تركه من أثر. وفرحان صالح ترك أثرًا يتجاوز الكتب والمجلات والمؤتمرات، ليصل إلى مستوى تشكيل الوعي، وإعادة طرح الأسئلة، وفتح آفاق جديدة للتفكير.
إن الكتابة عنه اليوم، ليست وفاءً لصديق فحسب، بل هي دعوة لإعادة الاعتبار لدور المثقف أيضًا، في زمنٍ يحتاج فيه المجتمع إلى من يضيء الطريق.
***
* طبيب ورسّام وكاتب لبناني. درس في جامعة آي إم سيتشينوف الطبية الحكومية الأولى في موسكو. مدير مستشفى صور الحكومي.
* Dr. Mustafa Jradi: Lebanese doctor, painter and writer. Studied at I.M. Sechenov First Moscow State Medical University. Director at Tyre Governmental Hospital
الحداثة (Al Hadatha)
صيف 2026 SUMMER
العدد: 240 ISSUE
مجلد: 33 .Vol
ISSN: 2790-1785

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق