Al-Hadatha Journal: 31 years of communication - Welcome to the site (under construction). Here we publish Abstracts of research

بحث - Search

مجلة الحداثة: 31 عامًا من التواصل - أهلا بكم في الموقع الترويجي (قيد الانشاء) ننشر هنا ملخصات عن الأبحاث

المشاهدات

الافتتاحية: الثقافة الشعبية وتحديات "العولمة المتوحشة"

د. كامل فرحان صالح - مجلة الحداثة

كامل فرحان صالح *


هل تتجه حركة عناصر الثقافة الشعبية (الفولكلور Folklore) من أعلى إلى أسفل داخل الكيان الاجتماعي، وهي الظاهرة المعروفة في التراث "بنزول الأدب من الطبقة المثقفة أو الصفوة إلى الطبقة الأم أو الطبقة الدنيا للشعب"؟
صحيح أن باحثين عرب طبّقوا هذه الفرضية على شواهد عديدة من الثقافة الشعبية لاثبات صحتها، لكن ثمة باحثين آخرين رفضوا المبالغة في هذا الادعاء، وحسبان أن كل أدب الطبقات الأدنى أدب "نازل" من الطبقات الأعلى. وإذا كانت فرضية "ارتفاع" أو نزول" الثقافة الشعبية من "الأدب الرفيع"، تتعلق بطبقة مثقفة هدفها الايحاء بأن الطبقة الشعبية غير قادرة على إنتاج أدب قيّم، يبقى التحدي الأبرز، هو نظرة الأجيال العربية "الخجولة" إلى الأدب الشعبيّ أو رفضه، لظنّها أن هذا الأدب لا يعبّر عن عصرها، وبيئاتها، و"أدواتها الحضارية المستجدة.

- من الريف إلى المدينة


يمكن القول إن عوامل التباين بين الماضي والحاضر مبالغ فيها، لأنه ثبت بالتجربة والممارسة، أنه مهما تغيّرت المؤثرات الاجتماعية، والمظاهر المادية، فإن دوافع أفعال البشر، ومواقفهم من مشكلات الوجود الكبرى، تبقى إلى حدّ ما ثابتة في قسماتها الرئيسة من خلال ما تنتجه من آدابها الشعبية، وإن عبّرت عن نفسها في صور متنوعة. تضاف إلى ذلك، الإشارة إلى أن الملمح الرئيس لأصل الثقافة الشعبية (الفولكلور) عمومًا، والعربي خصوصًا، هو أنه قرويّ ريفيّ، وقبائلي (وحدتها القبيلية)، ويعبّر عن ذلك بأنها مجموعة من الناس لها بناء اقتصادي محدد، فنتج عنه بناء ثقافي متكافئ أو متوازٍ. لكن مع اجتماع الناس في المدن، ووقوفهم على أرضية مشتركة من المصالح المتبادلة، بدا أن تطبيق القاعدة السابقة نفسها، ممكن، وبالتالي نتج من هذا الاجتماع ثقافة شعبيّة تعكس روح ما يعاني منه هؤلاء يوميًّا بحثًا عن لقمة العيش، أو عن أمزجتهم وأفراحهم وأحزانهم، أو عن ردود أفعالهم على الأحداث والوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. لذا لم يجد هؤلاء حرجًا من استعادة أنواع من الثقافة الشعبية (على الرغم من نكران البعض ذلك!)، وصياغتها مجددًا بحسب ما يقتضيه واقع الحال، بحكم ما تتمتع به الثقافة الشعبية من خصائص تتلخص بالمؤلف المجهول، والتناقل الشفويّ، والإنتشار والتداول، والتعبير عن وجدان الجماعة، إلخ.
ولا شك، إن التفاعل المستمر بين الأدبين الشفويّ والمدوّن، قد يساعد في هذا البناء الثقافي، لاستعارة مؤلفي الأدب المدوّن حكايات وموضوعات وتقنيات من الأدب الشعبيّ، والعكس صحيح أيضًا.
وإذ يبدو أنه من المسلّم به، قبول خضوع أنواع من الثقافة الشعبية لقانون الموت والتحول والتطور، مثلها مثل كل الأنوع الفنية الأخرى، فإن الثقافة الشعبية (الفولكلور) في المحصلة (ولا سيما الأدب الشعبي)، هي "التراث الروحي للشعب"، ويطابق هذا التعريف توصيات وفود مؤتمر أرنهايم (Arnhem) الذي عقد في هولندا (Holland) في العام 1955، وعبره يصل الإنسان إلى القصد بتعبير أقصر على مختلف درجاته في الثقافة والإدراك، فهو "من حيث تعريف البلاغة (مطابقة الكلام لمقتضى الحال) موافق كل الموافقة لهذا التعريف".

- الشرخ


لكن، على الرغم من الارتباط الثابت للثقافة الشعبية بالناس، ثمة شرخ في النظرة إلى هذا الثقافة، عُبّر عنها في تاريخ الأدب، بالاهمال حينًا، وبالنكران حينًا آخر، لمصلحة الأدب المدوّن؛ فبات هناك أدب "رفيع" يعبّر عن شرائح السلطة بتلاوينها كافة، وأدب "وضيع" يعبّر عن الشرائح الفقيرة أو تلك المرتبطة بالأرض أو بممارسة المهن والحرف.
ويمكن القياس مكانيًّا أيضًا، للقول: هناك أدب يرتبط بالمدن، وأدب يرتبط بالريف والقرى، أو بتلك الأحياء المكتظة بالسكان، المحيطة بالمدن.
وإذ لم يعد خافيًا، أن العالم اليوم يعيش في عصر عولمة متوحشة (Wild Globalization) فإن هذه العولمة قادرة على جعل كل الثقافات، بما فيها الثقافة الغربية، بلا أي مضمون، وتتمحور بأكملها حول قيمة واحدة هي التقليد (Imitation) الذي يمكن عدّه القيمة التي تقولب كل القيم في عصر العولمة. وهذه العولمة أيضًا قادرة على "اضفاء صفة الحاجة على ما هو زائد عن الحاجة"، وبات الناس يتعرفون على أنفسهم في بضائعهم، ويجدون جوهر روحهم في هواتفهم الذكية وأجهزتهم الإلكترونية وسياراتهم....
وإذا ثمة صعوبة بالغة اليوم في تحديد حجم التأثير السلبي للعولمة في الأدب الشعبي (الفولكلور) لكل دولة ومجتمع وشعب، إلا أنه بات في الإمكان أن يلمس المرء أنه يخسر شيئًا فشيئًا جزءًا من مكوّنات هويته الثقافية التي تميزه إيجابًا عن الآخر، مقابل اكتسابه "ثقافة" تجعل منه مقلدًا وتبعيًّا، بل ومدمنًا على كل ما تنتجه منظومة العولمة التي تجسد ضمن هذا السياق "الآخر"، لظنّه أن الحياة المعاصرة الحقّة هي في الأخذ بهذه المنتجات، واستخدامها، واللحاق بكل جديد تنتجه، والاعتماد عليها اعتمادا كليًّا. وما هي في الحقيقة سوى ثقافة مصطنعة (Culture Industrial) ينتجها النظام العالمي إنتاجًا، أي ثقافة زائفة تقف في مقابل الثقافة الشعبية الحقيقية الناتجة تلقائيًّا من تفاعل البشر بعضهم البعض في إطار حركية المجتمعات لا تماثلها كما هي سياسة العولمة.

- الوهم


إذا كانت فرضية "ارتفاع" أو نزول" الثقافة الشعبية من الأدب الرفيع، تتعلق بطبقة مثقفة هدفها الايحاء بأن الطبقة الشعبية غير قادرة على إنتاج أدب قيّم، يبقى التحدي الأبرز، كما أشرنا أعلاه، هو نظرة الأجيال العربية الخجولة من الثقافة الشعبية أو الرافضة إياه، لظنّها أن هذه الثقافة لا تعبّر عن عصرها، وبيئاتها، و"أدواتها الحضارية المستجدة"، ولا سيما في زمن العولمة، حتى بات مدلول لفظة "شعبي" يعني الابتذال والوضاعة والتفاهة وعدم الجودة والاتقان! لكن يفوت معظم هؤلاء، أن محاكاتهم وتقليدهم لما يصدر عن الآخر/الغرب، هو نوع من محاكاة الآداب الشعبية لما تنتجه هذه الشعوب على غير صعيد، وتحديدًا في العادات والتقاليد اليومية، والأزياء...، والمأكل والمشرب (بيتزا Pizza، همبرغر Hamburger، سباغيتي Spaghetti، المشروبات الغازية، ومشروبات الطاقة...)، ومن دون نسيان التأثر بأبطال ما تنتجه هذه المنظومة من حكايات وأساطير وأفلام سينمائية، وربما أقرب تمثيل على هذا الوضع، هو ما تنتجه السينما الأميركية من عناصر شعبية لم تأتِ من الماضي، بل من الحاضر والمستقبل، كالأساطير والحكايات التي تعرضها من أمثال:
الرجل الخارق، المتفوق، القوي الذي لا يقهر سوبرمان (Superman)، وحماية العالم من خطر كارثيّ متوقع (Save the world)، أو عبر ما تخترعه من رحلات وهمية إلى المستقبل (Trips to the Future)، أو العودة إلى المستقبل (Back to the Future)، أو العودة من هذا المستقبل إلى الحاضر لاصلاح خلل (ماBack from the Future)، أو قدرة الإنسان على التحول إلى كائنات أخرى (Mutant) وغيرها الكثير.

- الخضوع


ما يبدو مربكًا حقًا هو استمرار هذه الأجيال العربية بالتقليد الأعمى، ويزداد هذا الوضع سوءًا مع خضوعها للعبة العولمة من دون طرح أسئلة، فيجد المرء مثلاً، أن ما حلّ محل الأدوات والأشياء والعناصر التي كان يستخدمها الإنسان يوميًّا، حافظت العولمة على المهمة التي وُجدت لأجلها، إنما ما فعلته، هو تغيير صناعتها والمادة التي تنتجها، لتصبح قابلة للاستهلاك السريع.
لذا، يلحظ مثلاً أن الفخّاريات اختفت ليحلّ محلها البلاستيك والألمنيوم؛ فالإبريق بقي يستخدم للماء، إنما بدلاً من أن يكون من فخّارٍ صُنع محليًّا، أصبح يُستورد من الخارج، ويُصنع من مواد يُعتقد أنها مسببة للكثير من الأمراض. كذلك، تراجعت الثقافة العمودية/المتعمّقة، لتحلّ محلها الثقافة السطحية/الشاشة، وأطلق الرصاص من كل حدب وصوب على الحليب الطبيعي، ليتقدم محلّه حليب البودرة، وشُوّهت الذائقة، فبدلاً من تناول العصائر الطبيعية تجد العصائر المعلّبة والمصنّعة هي المنعشة، والمناسبة للأمزجة في كل وقت وزمان.
فوق هذا وذاك، وسمت الأساطير والأغاني الشعبية والحكايات الشعبية، بالبدائية (بالمفهوم السلبي)، والمثيرة للغرائز، والوهم، والتخلف، لتحلّ محلها أساطير السينما الهوليودية...، أي تنميط الفن، وخلق الأيقونة/ المثال.
إن هذه الوضعية التي طرحت نفسها على أنها البديل من الثقافة الشعبية (الفولكلور)، يمكن رؤيتها ومتابعتها من حيث الممارسة عبر مسارين:
· "الأول: مغالاة البعض بالتقليد الأعمى للآخر، وكأننا من دون ثقافة وتاريخ وجغرافيا.
· الثاني: مغالاة البعض بالعزلة، واحتقار ثقافة الشراكة والتواصل داخليًّا وعربيًّا.
فهل تعي الأجيال العربية، أن ما تخجل منه أو تهرب منه في ثقافتها الشعبية بحجة قدمه، وعدم صلاحيته للعصر، هو إلى حدّ ما، نفسه الذي تتأثر به وتتبناه لدى الآخر، إنما بأشكال وصور وتعابير وصيغ مختلفة؟
وهل يعيش هذا الجيل – حقًا- في "قرية صغيرة"، وهو شعار العولمة الأثيري؟
وإذا لديه الرغبة في العيش في هذه القرية فعلاً، والانتماء إليها، لماذا يهمل قريته الخاصة التي تشكل تميزه وهويته، وعلامته الفارقة في هذا العالم؟

- أخيرًا


يمكن التأكيد في الخلاصة، أن الثقافة الشعبية حيّة، ترتبط بالحياة وتتفاعل بها ومعها وفيها، وتفسح في المجال للتعرف إلى شخصيتنا الحضارية، وواقعنا النفسي والاجتماعي، وتلقي مزيدًا من الضوء على بعض مضامين اللاوعي الجمعي، وأن هذه الثقافة ما زالت تمتد على نحو من الأنحاء، في واقعنا المعاصر، وتمثل بعدًا مهمًا من أبعاد شخصيتنا، فهي أكثر صدقًا في إعطاء الصورة الحقيقية للعملية الاجتماعية، إذ تساير الفطرة التي تتجلّى في حَبْك الأدب، وطريقة إبداعه المتغيرة، من بيئة لأخرى، ومن زمن لآخر، كما تتجلى الفطرة والتلقائية في لا منطقية السرد، والربط بين الأحداث، بعكس الأدب الرسمي الذي يعتمد على الربط والمنطقية، فموضوع الأدب الشعبي عام، يمسّ كل فرد من أفراد الأمة، وهو أيضًا خاص، يحسّ كلّ فرد بأنه موضوعه الشخصي الذي يهمّه وحده، أو يهمّه قبل أي شخص آخر...
أخيرًا إن اصرار "الأجيال العربية" على إطلاق الرصاص على ثقافتنا الشعبية كونها شيئًا "متخلفًا" (وهذا غير دقيق كون ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي ما هو إلا ثقافة شعبية)، يجعل حاضر هذه الأجيال ومستقبلها "جهنمًا". وهذا للأسف ما يحدث!

***


* أستاذ دكتور في الجامعة اللبنانية


الحداثة (Al Hadatha) – س. 29 – ع. 223 - ربيع 2022 Spring

 ISSN: 2790 -1785

ليست هناك تعليقات:

اقرأ أيضًا

تعليقات القرّاء

راسلنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

تصنيفات وأعداد

Al Hadatha (980) أبحاث في الأدب واللغة (352) أبحاث في الثقافة الشعبية (245) أبحاث في العلوم الاجتماعية (179) أبحاث في الفنون (167) أبحاث في التاريخ (123) أبحاث في التربية والتعليم (110) أبحاث في العلوم السياسية والاقتصادية (77) أبحاث في علم النفس (61) مراجعات (61) أبحاث في الفلسفة (55) صيف 2019 (42) شتاء 2020 (38) محتويات الأعداد (38) خريف 2020 (37) ربيع 2020 (37) افتتاحية الأعداد (36) خريف 2019 (35) صيف 2020 (35) خريف 2023 (34) ربيع 2024 (33) شتاء 2024 (33) أبحاث في الآثار (32) الحداثة : أعلام (32) أبحاث في الإعلام (31) شتاء 2021 (31) خريف 2016 (26) شتاء 2017 (25) نوافذ (24) الحداثة في الإعلام (23) ربيع 2021 (23) صيف 2018 (23) صيف 2023 (23) خريف 2018 (22) ربيع 2022 (22) صيف 2017 (22) شتاء 2022 (21) خريف 2021 (20) ربيع 2017 (20) ربيع 2023 (20) صيف 2021 (20) أبحاث في القانون (19) شتاء 2019 (19) خريف 1994 (18) أبحاث في كورونا (covid-19) (17) صيف 2022 (17) أبحاث في العلوم والصحة (16) خريف 2001 (16) خريف 2022 (16) شتاء 2023 (16) ملف الحداثة (15) ربيع 2019 (12) شتاء 2000 (12) شتاء 1996 (11) شتاء 2018 (11) خريف 1995 (10) ربيع 2015 (10) أبحاث في الجغرافيا (9) خريف 2004 (9) صيف 1997 (9) خريف 2017 (8) ربيع 1999 (8) ربيع 2016 (8) ربيع وصيف 2007 (8) شتاء 1998 (8) شتاء 2004 (8) صيف 1994 (8) صيف 1995 (8) صيف 1999 (8) أبحاث في الإدارة (7) شتاء 1999 (7) شتاء 2016 (7) خريف 1996 (6) خريف 1997 (6) خريف 2013 (6) ربيع 2001 (6) شتاء 1995 (6) شتاء 2013 (6) صيف 2000 (6) صيف 2001 (6) صيف 2002 (6) صيف 2024 (6) خريف 1998 (5) خريف 2000 (5) خريف وشتاء 2003 (5) ربيع 1996 (5) شتاء 1997 (5) صيف 2003 (5) صيف 2009 (5) ربيع 2002 (4) شتاء 2011 (4) صيف 1996 (4) صيف 2008 (4) خريف 2003 (3) خريف 2009 (3) خريف 2010 (3) خريف 2015 (3) خريف شتاء 2008 (3) ربيع 1995 (3) ربيع 1998 (3) ربيع 2000 (3) ربيع 2003 (3) ربيع 2012 (3) ربيع 2018 (3) شتاء 2001 (3) شتاء 2010 (3) صيف 1998 (3) صيف 2005 (3) صيف 2010 (3) صيف 2014 (3) صيف خريف 2012 (3) العدد الأول 1994 (2) خريف 1999 (2) خريف 2005 (2) خريف 2014 (2) ربيع 2006 (2) ربيع 2011 (2) ربيع 2013 (2) ربيع 2014، (2) شتاء 2005 (2) شتاء 2012 (2) شتاء 2014 (2) شتاء 2015 (2) صيف 2006 (2) صيف 2011 (2) صيف 2013 (2) صيف 2015 (2) الهيئة الاستشارية وقواعد النشر (1) خريف 2011 (1) ربيع 2004 (1) ربيع 2005 (1) ربيع 2009 (1) ربيع 2010 (1) ربيع 2014 (1) شتاء 2007 (1) صيف 2004 (1) صيف 2016 (1) فهرس (1994 - 2014) (1) مجلدات الحداثة (1)

الأكثر مشاهدة