محمد أحمد غنيم*
صديقي الحبيب المفكر اللبناني الكبير الأستاذ فرحان صالح اللبناني، المصري، العاشق المتيم بحبّ مصر، أحد المؤسسين الكبار لحلقة الحوار الثقافي في بيروت، ومن ثم حلقة الحوار الثقافي العربية في مصر، فهذه الحلقة اللبنانية التي تضمّ كبار مثقفي لبنان الحبيب، تمتد علاقتي بها لأكثر من ربع قرن ويزيد، وحتى الآن.
جاء فرحان صالح إلينا بالمنصورة (مصر) منذ منتصف التسعينيات في القرن العشرين، وجدته أمامي في مكتبي بكلية الآداب جامعة المنصورة، يقول لي: "أنا فرحان صالح من لبنان، ولقد سمعت عنك، وجئت للتعرّف إليك".
منذ هذه اللحظة أصبحنا أصدقاء لم نفترق أبدًا، وصرنا نذهب معًا إلى القاهرة وبيروت سنويًّا منذ العام 1998 أول زيارة لي إلى لبنان، وتم عقد سلسلة من المؤتمرات التي بدأت منذ ذاك العام حتى العام 2020 آخر مؤتمر عقدناه في جامعة المنصورة عن المرأة في التراث الشعبي العربي، وذلك بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة بمصر للمرة الرابعة، وللمرة الثامنة مع "حلقة الحوار الثقافي اللبناني" ببيروت، وجامعة المنصورة ومركزها الحضاري لعلوم الإنسان والتراث الشعبي.
أصبح تجمعنا هذا يعدّ أكبر تجمع عربي يهتم بالثقافة الشعبية العربية، ويضم المثقفين المهتمين بالتراث الشعبي العربي من المغرب حتى البحرين والشارقة واليمن، وأصبح لدينا زخم كبير من التراث الثقافي غير المادي ينتظره كبار المثقفين من المحيط إلى الخليج العربي، والفضل الكبير للأستاذ فرحان صالح وعلاقاته الكبيرة في كل بلادنا العربية، والقيام بالزيارات المكوكيّة معًا ومنفردين إلى العواصم العربية للمشاركة في تلك التجمعات التي تحمل راية الثقافة الشعبية العربية والتراث الثقافي غير المادي.
كان للأستاذ فرحان صالح الفضل في التعرف إلى القاهرة وبيروت، فقد ذهبنا معًا إلى كل حواري القاهرة، والذهاب إلى المثقفين في تجمعاتهم، كذلك الحال في بيروت، ووقد تعرفت في لبنان إلى المثقفين بداية من الشاعر الكبير سعيد عقل، والوزير أسعد دياب، والوزير الدكتور خالد زيادة، والدكتور محمد شيا، والدكتور مطانيوس الحلبي، والدكتور زاهي ناضر، والدكتور جورج زكي الحاج، والدكتورة إلهام كلاب، والدكتور جورج سعادة، والدكتور محمد العريبي، والدكتور إبراهيم الأميوني... وغيرهم من مثقفي ومثقفات لبنان (سوف أكتب عن تلك الشخصيات التي كانت ضيوفًا عزيزة علينا بالمنصورة والقاهرة، كذلك أسهمت في اثراء التراث الثقافي غير المادي في العالم العربي).
كل هذه الخواطر حلّت عليّ بعد أن تحادثت مع الأستاذ فرحان صالح تليفونيًّا، وللمرة الأولى كان حديثه يخلو من الأمل والابتسامة، وهو الذي كان دائما يقول لي: "أعطِ لنفسك مساحة من الفرح".
سمعت صوته، ولم أرتح لهذا الشجن الذي أسمعه منه، وهو من فترة يمرّ بأزمة صحية مفاجأة، تمنعه لأول مرة من الحضور إلى القاهرة حبيبته الغالية.
أقول له: يا صديقي الغالي، القاهرة بكل ناسها الطيبين الذين تركت بداخلهم أجمل الذكريات، وبكل مثقفيها وكبار كتّابها ومفكريها، ينتظرون قدومك، فهم يبتسمون لمجرد سماع صوتك، وسوف ينتظرونك في مؤتمرنا القادم عن "الأرض والإنسان والهوية".
لقد تعلمت منك يا صديقي طرقًا جميلة وجديدة لحبّ أوطاننا العربية، ونحن وكل الأصدقاء العرب في لبنان ومصر وتونس والمغرب والجزائر وليبيا والكويت والعراق والسعودية والإمارات العربية والبحرين وقطر والسودان وسوريا واليمن والأردن وموريتانيا... في انتظارك، وندعو لك بالصحة والسلامة.
***
* باحث وأكاديمي مصري. عميد سابق لكلية الآداب في جامعة المنصورة (مصر). له العديد من الأعمال والدراسات المنشورة ولا سيما في ميادين الإثنوجرافيا والأنتروبولوجيا والثقافة الشعبية. حاصل على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية لعام 2018 – 2019.
* Dr. Mohamed Ghoniem: An Egyptian researcher and academic. He is a former Dean of the Faculty of Arts at Mansoura University (Egypt) and has authored numerous works and studies, particularly in the fields of ethnography, anthropology, and folk culture. He was awarded the State Appreciation Award in Social Sciences for the year 2018–2019.
الحداثة (Al Hadatha)
صيف 2026 SUMMER
العدد: 240 ISSUE
مجلد: 33 .Vol
ISSN: 2790-1785

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق